ابن جبير

111

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار )

بدينار ولا بدرهم إنما يبيعونه بالخرق والعباءات والشمل فأهل مكة يعدون لهم من ذلك مع الأقنعة والملاحف المتان وما أشبه ذلك مما يلبسه الاعراب ويبايعونهم به ويشارونهم ويذكر انهم متى أقاموا عن هذه الميرة ببلادهم تجدب ويقع الموتان في مواشيهم وأنعامهم وبوصولهم بها تخصب بلادهم وتقع البركة في أموالهم فمتى قرب الوقت ووقعت منه بعض غفلة في التأهب للخروج اجتمع نساؤهم فأخرجنهم وكل هذا لطف من الله تعالى لحرمة البلد الأمين وبلادهم على ما ذكر لنا خصيبة متسعة كثيرة التين والعنب واسعة المحرث وافرة الغلات وقد اعتقدوا اعتقادا صحيحا ان البركة كلها في هذه الميرة التي يجلبونها فهم من ذلك في تجارة رابحة مع الله عز وجل والقوم عرب صرحاء فصحاء جفاة أصحاء لم تغدهم الرقة الحضرية ولا هذبتهم السير المدنية ولا سددت مقاصدهم السنن الشرعية فلا تجد لديهم من اعمال العادات المقدسة يتطارحون عليها تطارح البنين على الأم المشفقة لائذين بجوارها متعلقين بأستارها فحيث ما علقت أيديهم منها تمزق لشدة اجتذابهم لها وانكبابهم عليها وفي أثناء ذلك تصدع ألسنتهم بأدعية تتصدع لها القلوب وتتفجر لها الأعين الجوامد فتصوب فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمنين على أدعيتهم متلقنين لها من ألسنتهم على أنهم طول مقامهم لا يتمكن معهم طواف ولا يوجد سبيل إلى استلام الحجر وإذا فتح الباب الكريم فهم الداخلون بسلام فتراهم في محاولة دخولهم يتسلسلون كأنهم بعض ببعض مرتبطون يتصل منهم على هذه الصفة الثلاثون والأربعون إلى أزيد من ذلك والسلاسل منهم يتسع بعضهم بعضا وربما